الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
194
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
شبّه حال ملاقاتهم في غير الحرب بحال أخذ الأسير لشدّة ذلّهم . وقوله إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ الحبل مستعار للعهد ، وتقدّم ما يتعلق بذلك عند قوله تعالى فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى في سورة البقرة [ 256 ] وعهد اللّه ذمّته ، وعهد النّاس حلفهم ، ونصرهم ، والاستثناء من عموم الأحوال وهي أحوال دلّت عليها الباء التي للمصاحبة . والتّقدير : ضربت عليهم الذلّة متلبّسين بكلّ حال إلّا متلبّسين بعهد من اللّه وعهد من النّاس ، فالتّقدير : فذهبوا بذلّة إلّا بحبل من اللّه . والمعنى لا يسلمون من الذلّة إلّا إذا تلبّسوا بعهد من اللّه ، أي ذمّة الإسلام ، أو إذا استنصروا بقبائل أولى بأس شديد ، وأمّا هم في أنفسهم فلا نصر لهم . وهذا من دلائل النّبوّة فإنّ اليهود كانوا أعزّة بيشرب وخيبر والنضير وقريظة ، فأصبحوا أذلّة ، وعمّتهم المذلّة في سائر أقطار الدنيا . وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ أي رجعوا وهو مجاز لمعنى صاروا إذ لا رجوع هنا . والمسكنة الفقر الشّديد مشتقة من اسم المسكين وهو الفقير ، ولعلّ اشتقاقه من السكون وهو سكون خيالي أطلق على قلّة الحيلة في العيش . والمراد بضرب المسكنة عليهم تقديرها لهم وهذا إخبار بمغيّب لأن اليهود المخبر عنهم قد أصابهم الفقر حين أخذت منازلهم في خيبر والنّضير وقينقاع وقريظة ، ثمّ بإجلائهم بعد ذلك في زمن عمر . مِنَ النَّاسِ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ . الإشارة إلى ضرب الذلّة المأخوذ من ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ . ومعنى يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ تقدّم عند قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ [ آل عمران : 21 ] أوائل هذه السورة . وقوله : ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ يحتمل أن يكون إشارة إلى كفرهم وقتلهم الأنبياء بغير حقّ ، فالباء سبب السبب ، ويحتمل أن يكون إشارة ثانية إلى ضرب الذلّة والمسكنة فيكون سببا ثانيا . ( وما ) مصدرية أي بسبب عصيانهم واعتدائهم ، وهذا نشر على ترتيب اللفّ فكفرهم بالآيات سببه العصيان ، وقتلهم الأنبياء سببه الاعتداء . [ 113 ، 114 ]